المنوعات

ما هي تدابير التقشف؟ – أنا أصدق العلم

ما هي تدابير التقشف؟

توحي كلمة تقشف بالقسوة والصرامة، يشير مصطلح تدابير التقشف إلى سياسات اقتصادية صارمة تطبقها الحكومة، لتقليص الإنفاق الحكومي والدين العام، وتُتخذ تدابير التقشف أساسًا حين تعجز الحكومة عن سداد ديونها.

كيف تعمل تدابير التقشف؟

تُعد تدابير التقشف تطبيقات قاسية للسياسة الاقتصادية، الهدف منها خفض عجز ميزانية الدولة. تأخذ تلك السياسات العديد من الأشكال، مثل تقليل الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب.

تُعد التدابير التقشفية جزءًا من السياسة المالية الانكماشية، وتُعتمد في أوقات الأزمات، غالبًا عندما توشك الدولة على العجز عن تسديد ديونها.

وفقًا للبنك الدولي، يتمثل حد التخلف عن السداد بنسبة 77% من الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي. تجني الدولة إيرادات أكثر عندما تزيد الضرائب، وتمتلك أموالًا أكثر لسداد ديونها عندما تقلل الإنفاق.

يأخذ تخفيض الإنفاق الحكومي العديد من الأشكال، ويؤدي غالبًا إلى إنهاء البرامج غير الضرورية. يشمل هذا اقتطاع أجور موظفي الحكومة أو تجميدها، وتقليص البرامج الحكومية، مثل برامج المحاربين القدامى والمُشردين والحدائق الوطنية، والامتناع عن التوظيف وتجميد المعاشات التقاعدية.

قد يكون التقشف مثيرًا للجدل، لأسباب سياسية واقتصادية، إذ تتضمن الأهداف العامة للحد من الإنفاق المعاشات التقاعدية لموظفي الحكومة والرعاية الاجتماعية والصحية، ما يؤثر في محدودي الدخل رغم احتياجهم المالي.

ومع أن تدابير التقشف تساعد على التحكم في الميزانية الحكومية، فإنها تصعب الحياة اليومية للمواطنين بشدة.

سبّب الركود الاقتصادي العالمي الذي بدأ سنة 2008 انخفاض العائدات الضريبية للعديد من الحكومات، وكشف ما ظنه البعض مستويات إنفاق غير مستدامة، إذ لجأت العديد من الدول الأوروبية -متضمنةً المملكة المتحدة واليونان وإسبانيا- إلى التقشف وسيلةً للتخفيف من مصاعب الميزانية.

تدابير التقشف تاريخيًا

اتُخذت التدابير التقشفية في الولايات المتحدة في أثناء فترة الكساد التي حدثت عامي 1920 و1921. ارتفعت نسبة البطالة في تلك الفترة من 4 إلى 12% وانخفض الناتج القومي الإجمالي بنسبة 17%.

قرر الرئيس هاردنغ تطبيق تدابير تقشفية لمواجهة التدهور المالي، فخفض الإنفاق بنسبة 50%، فانخفض من 6.3 مليار دولار سنة 1920 إلى 3.2 مليار دولار سنة 1922، وخُفِضت الضرائب بنسبة 40%. تراوحت عائدات الضرائب من 6.6 مليار دولار سنة 1920 إلى 4 مليار دولار سنة 1922.

يهدف تخفيض الضرائب إلى تحفيز الاقتصاد بواسطة الاستهلاك، وبلغت نسبة البطالة 7.6% سنة 1922 في حين بلغت 3.2% سنة 1923.

مثال حديث

اتُخذت التدابير التقشفية في اليونان سنة 2013 خلال أزمة الديون، ما يُعد أحد أهم الأمثلة الحديثة لتدابير التقشف. عانت اليونان من الركود العظيم، إذ ارتفع معدل البطالة من 7.7% سنة 2008 إلى 28% سنة 2013.

انخفضت نسبة البطالة بوضوح في اليونان بعد تنفيذ تدابير التقشف، إذ بلغت 15% قبل تفشي جائحة فيروس كورونا مطلع 2020.

بدأت مشكلات اليونان الاقتصادية في أثناء الأزمة المالية، إذ أوشكت على التخلف عن سداد ديونها إلى الاتحاد الأوروبي، ما قد يُسبب فوضى مالية في الاتحاد نفسه. ساهم الاتحاد الأوربي بمبالغ لإنقاذ اليونان من التعثر لتواصل تسديد ديونها. أقرض الاتحاد الأوروبي اليونان مبلغ 330 مليار دولار.

ظهرت مشكلات الاقتصاد اليوناني، لأنها كانت تنفق أكثر مما تجلب إلى الخزينة. وقد بلغ عجز ميزانيتها سنة 2009 أكثر من 15.4% من إجمالي ناتجها المحلي. أي أنها ببساطة لم تكن تكتسب ما يكفي من المال لتغطية نفقاتها، متضمنةً سداد الديون. فرض الاتحاد الأوروبي على اليونان تنفيذ تدابير التقشف، جزءًا من خطة الإنقاذ.

اتخذت اليونان تدابير تقشفية واسعة النطاق، إذ طالب الاتحاد الأوروبي اليونان بإصلاح الهيكل الضريبي، وتضمن ذلك إعادة موازنة العبء الضريبي، وتبسيط قانون الضريبة، وإبطال الإعفاءات الضريبية الخاصة والمعاملات التمييزية، ومحاربة التهرب الضريبي.

هذا إضافةً إلى خفض الرواتب الأساسية للموظفين بنسبة 17%، واقتطاع المعاشات التقاعدية بنسبة 15 إلى 40%، ورسوم جديدة على العقارات، وتقليص العمالة الحكومية بمقدار 150 ألف، وعدة تدابير أخرى.

مع أن تدابير التقشف ساعدت اليونان بعض الشيء، من الصعب القول بأنها كانت مفيدة تمامًا. بقي معدل البطالة في اليونان مرتفعًا جدًا، وبلغت نسبة الإنفاق الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي 46.2% سنة 2019، مع انخفاض طفيف فقط من 50.6% سنة 2015، ومن المتوقع أن تبلغ النسبة 46.7% سنة 2025.

أسئلة وأجوبة حول تدابير التقشف:

هل تدابير التقشف ناجحة؟

مع أن الهدف من تدابير التقشف هو تقليل الدين الحكومي، لا تزال فعاليتها موضع جدال. يجادل الداعمون بأن العجز الكبير قد يخنق الاقتصاد بشدة، ويحد من الإيرادات الضريبية. مع ذلك، يعتقد المعارضون أن البرامج الحكومية هي الطريق الوحيد لتعويض نقص استهلاك الفرد خلال الركود الاقتصادي. ولتعزيز إنفاق القطاع العام، يقترح المعارضون تقليل نسبة البطالة ومن ثم زيادة عدد دافعي الضرائب.

ما التأثيرات المحتملة للتدابير التقشف في دولة ما؟

تختلف الآثار اعتمادًا على نوعية الإجراءات المطبقة وتوقيتها. يجلب خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب المزيد من الإيرادات للحكومة، ما يساعدها على تسديد ديونها، مع أن ذلك يصعّب حياة المواطنين. وينتج عن التدابير التقشفية برامج أقل في مصلحة المجتمع، مثل خدمات الرعاية الصحية ومساعدة المحاربين القدامى والتحسينات البيئية، ما يعني أيضًا أموالًا أقل لدى المواطنين، ما يقلل الإنفاق الاستهلاكي، ويسبب انكماشًا في النمو الاقتصادي.

الخلاصة

تُعد تدابير التقشف سياسات صارمة تُشرع لتحسين الحالة المالية للحكومة. ومع أنها تؤدي غالبًا إلى تحسين الميزانية العامة للحكومة، فإن تأثيرها في المواطنين يكون سيئًا.

يبقى الجدل كبير بين الاقتصاديين بشأن هل تدابير التقشف مفيدة أم لا، وكيف ومتى تُنفذ، وفيمن تؤثر مباشرةً. كل هذه عوامل يجب أخذها في الحسبان لمعرفة هل تلك التدابير فعالة في تحسين الاقتصاد والمجتمع أم لا.

اقرأ أيضًا:

أزمة الديون اليونانية: كيف انهار اقتصاد اليونان؟

الملاذات الضريبية: ما هي؟

ترجمة: يوسف حمد

تدقيق: تسبيح علي

مراجعة: أكرم محيي الدين

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى